متل إجري

مقالاتي

متل إجري*

11:22PM الخميس، 25 أغسطس
0 Like
شاركي أيضاً على

 

ريتا خوري

لست "إيميلدا ماركوس"، ولا أدّعي هواية تجميع الأحذية، لكنني اكتشفت، في معرض توضيب حقيبتي، أنني أملك كثيراً جدّاً منها، المشكلة أن معظمها من ذوات الكعب العالي الذي لا أنتعله، المشكلة أنني لا أعرف لماذا أشتريها وأتركها تقبع جديدة في الخزانة التي بدأت تضيق بها ذرعاً، المشكلة أنني، وعلى رغم كثرتها، أتعلّق دائما بحذاء رياضي أو مسطّح الكعب لا أنفكّ ألبسه حتى يهترئ تماماً، كهذا الذي أتيت به إلى هنا. كان لونه الأساسي أزرق، ثم حال لونه، لكثرة استخدامه، الى الازرق الباهت، واليوم أخصص مكافأة لمن يستطيع تحديد لونه. على الرغم من ذلك لا أزال انتعله.

لا أدري من أين ورثت هذا الوفاء النادر للأحذية التي لا كعب لها.

قد يفكّر البعض بخبث: وماذا عن الرائحة النفاذة؟ المشكلة ألا رائحة لحذائي، لا رائحة لقدميّ صيفاً وشتاء.

تذكّرت "عطر" رواية "باتريك زوسكيند"، عشقت بطلها، لأني مثله لا رائحة لي.

لا رائحة لي، لكن أنفي حساس ك"أبي كلبشة" (الشرطي في المسلسل الكوميدي "صح النوم السوري") الذي لا يخطئ أنفه تمييز الروائح.

للمدن، أيضاً، رائحة. رائحة باريس قاتلة، تسرّبت رائحتها إالى أنفي بمجرد هبوط الطائرة.

رائحة باريس، بالنسبة إليّ، هي رائحة المترو، رائحة خاصة تختلط فيها أعراق البشر والفئران، رائحة العفونة وبول العابرين أو المقيمين في دهاليز هذه الأمكنة، روائح لامبالاة الناس ومحاولاتهم لمحو آثار عرقهم بعطور راقية.

أعود إليها اليوم بلامبالاة تامة، لا شيء فيها يعنيني، عدا مَن أتيت لرؤيتهم.

ظننت، بل توهّمت، بعد هذه السنوات الطوال التي أمضيتها فيها، أنني لن أغادرها أبداً، بل سأحيا وأموت فيه، ظننتها المكان الذي يُشعرني بالأمان والطمأنينة، ولا يتوقف عن مساعدتي في الانفتاح على العالم، المكان الذي سمح لي أن أعيش بكامل حريتي الشخصية والفكرية، من دون رقيب أو جلاد.

لكنني ولسبب مجنون تركتها من دون أسف، وها أنا الآن أزورها، يرافقني هذا الشعور السطحي بأني لا أحتاجها وأظنها تبادلني الإحساس ذاته.

أين ذهب حب المكان الذي أعتقني؟ من غير العدل أن يمحى شعوري تجاهها ويتحوّل إلى لا شيء.

غريبة أنا في هذه المدينة، غريبة في كل المدن.

لن أواجه، هنا على الأقل، نظرات ساخرة تشير نحو حذائي المهترئ، لن يحاسبني أحد على كيلو مترات أذرعها سيراً على الأقدام، ممتطية حذاء لا لون له أو رائحة، تماماً، "متل إجري".

 

* اخترنا هذا النص من كتاب "أسرار صغيرة" للإعلامية اللبنانية ريتا خوري بموافقتها.

  • مقالات قد تهمك
  • فوز كتّاب "مونلايت" و"أرايفال" بجائزة رابطة الكتاب الأميركية
    فوز كتّاب "مونلايت" و"أرايفال" بجائزة رابطة الكتاب الأميركية
  • دانا ابو خضر تروي في كتابها قصتها وزوجها الفنان طوني قطان في مكافحة المرض
    دانا ابو خضر تروي في كتابها قصتها وزوجها الفنان طوني قطان في مكافحة المرض
  • إليكِ لائحة "البوكر" القصيرة لعام <font class='englishNb'>2017</font>
    إليكِ لائحة "البوكر" القصيرة لعام 2017
اقرئي أيضاً
  • حليقات الرأس

    حليقات الرأس

    موقع يومياتي اختار هذا المقال للزميلة ميليا ابو جوده "أنتِ الحياة، افحصي وطمنينا". "ذكّرها مرّة بالسنة وكلّ سنة بالصورة الشعاعيّة للثدي". "اكتب بالوردي". "أكتوبر الورديّ". اقرئي المزيد مقالاتي
  • صابر بين الكوفية الفلسطينية والمنسق الاسرائيلي!

    صابر بين الكوفية الفلسطينية والمنسق الاسرائيلي!

    "أعتبر نفسي تونسي- فلسطيني أتقاسم معكم الفرح والهواء والأكل والوقوف على طابور الجوازات والحواجز." اقرئي المزيد مقالاتي
  • يا ورق وخيطان...

    يا ورق وخيطان...

    كل ما رأيته هو ذلك الرجل الذي لا أتذكر ملامحه يحمل طائرة ورقية نصف المحلّقة للبيع... اقرئي المزيد مقالاتي
  • هل تعجزين عن قول "لا" على حساب سعادتك وصحّتك؟

    هل تعجزين عن قول "لا" على حساب سعادتك وصحّتك؟

    كم من مرة شعرتِ بالخجل أو بالإحراج من القول كلمة  "لا" للآخرين وسرعان ما شعرتِ بالغضب لعدم قدرتك على منح ذاتك الأولوية؟... اقرئي المزيد مقالاتي
المزيد